حسن الأمين
307
مستدركات أعيان الشيعة
عرج على حلب فحيى محلة مانوسة فيها لعلوة منزل . . . احنو إليك وفي فؤادي لوعة وأصد عنك ووجه ودي مقبل وإذا هممت بوصل غيرك ردني وله إليك وشافع لك أول ويقول في وصف أوقات سعادته بالوصال : ألام على هواك وليس عدلا إذا أحببت مثلك ان ألاما لقد حرمت من وصلي حلالا وقد حللت من هجري حراما أعيدي في نظرة مستثيب توخى الهجر أو كره الآثاما تري كبدا محرقة وعينا مؤرقة وقلبا مستهاما تناءت دار علوة بعد قرب فهل ركب يبلغها السلاما وربت ليلة قد بت أسقي بعينيها وكفيها المداما قطعنا الليل لثما واعتناقا وأفنيناه ضما والتزاما وقد علمت باني لم أضيع لها عهدا ولم أخفر ذماما لئن أضحت محلتنا عراقا مشرقة وحلتها شاما فلم أحدث لها إلا ودادا ولم ازدد بها إلا غراما وواضح ما في هذه الأبيات - وسواها من الأبيات الواردة في الديوان - من مشاعر حب رقيقة إزاء علوة . ومع ذلك فإننا إذا رجعنا إلى نسيب البحتري وجدناه يذكر فيه غير علوة ، زينب وسعاد وسلمى وليلى وأغلب ان هذه الأسماء كان يرمز بها الشاعر إلى حبيبته علوة أو دفعه إلى استخدامها ضرورات القافية والتصريح أو مجرد اقتفاء آثار الأقدمين . هذا وقد تزوجت علوة من رجل كان صديقا للبحتري يدعى « الذفافي » فقال يهجوه : أبلغ ذفافينا رسالة مشتاق أسر الشكوى وأعلنها رب غداة للقصف في حلب يجني ضحى وردها وسوسنها لله أزماننا بعلوة ما أطيب أيامها وأحسنها نبئتها زوجت أخا خنث أغن رطب البنان لينها تروم إخوانها ويمنعها منهم لقد ساءها وأحزنها لو شاء لا بوركت مشيته بلغها بالطلاق مأمنها وإذا تجاوزنا قصة حبه هذه في محاولة لتلمس الظروف التي طبعت نشأته أمكننا الافتراض بالاستناد إلى المصادر التي بين أيدينا ان البحتري نشا في ظل أبوين لم يكونا من ذوي اليسار وأن مخايل النجابة قد بدت عليه وهو في ريعان الصبا فاستهواه الشعر فمال اليه وعالجه وهو فتى وقصد به أول ما قصد باعة البصل والباذنجان ومن لف لفهم يمدحهم وينشدهم في ذهابه وإيابه . كان البحتري في مطلع حياته كثير الأسفار والتطواف فجاب عددا من المدن السورية وزار الأهواز والعراق وقيل إنه قصد مصر أيضا قام بكل ذلك قبل أن يلقي عصا ترحاله في الحاضرة العباسية سامراء . والحق أن البحتري كان دؤوبا شديد العزم قوي الهمة واسع الآمال وفي شعره كثير من الإشارات التي تنبئ عن ذلك : وقائلة والدمع يصبغ خدها رويدك يا ابن الست عشرة كم تسري فقلت : أحق الناس بالعزم والسدي طلاب المعالي صاحب الست والعشر سأخبط وجه الدهر والليل أو أرى تمزق ثوب الليل في وضح الفجر وأوثر عني في المهامة والفلا على قرب عرسي في « السواجير » أو اثري شخصيته وأخلاقه ليس لدينا ما يشفي الغليل ويرسم لنا صورة البحتري وأغلب الظن ان وجهه وجسمه لم يكن بهما قبح ولا عاهة ظاهرة . يمكننا استنتاج ذلك من هجاء معاصره ابن الرومي والذي كان بارعا في التهكم بأصحاب الخلق الممسوخة فإنه لم يجد ما يقوله في البحتري سوى انه كان ذا لحية طويلة : البحتري ذنوب الوجه نعرفه وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب فلو كان به عيب في وجهه أو جسمه أو مشيته لأكثر ابن الرومي من الهجاء به . وإذا كان لنا ان نعتمد على شعره فان فيه ما يوحي لنا بأنه كان نحيفا : فان تلقني نضو العظام فإنها جريرة قلبي منذ جرت على جسمي ويقول : حملت معالمهن أعباء البلى حتى كان نحولهن نحولي وتذكر بعض المصادر عن الأغاني انه كان من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة وأبغضهم انشادا وأكثرهم افتخارا بشعره حتى ليروى عنه أنه كان إذا أنشد شعرا قال لمستمعيه : لم لا تقولون أحسنت ؟ هذا والله وما لا يقدر أحد أن يقول مثله ! ونحن نشك في قضية ثيابه الوسخة إذا علمنا أنه كان يجالس ملوك بني العباس وكبار الوزراء والأعيان الذين ينفرون ولا ريب من الثياب الوسخة . وأبرز ما يميز البحتري عزيمة قوية دفعته إلى التجواب والسفر سعيا وراء المجد والغنى . فلم يكن للبحتري مدينة واحدة يقصدها ولا قطر بعينه يتجول فيه ولكنه يرحل ولا يطمئن به المقام إلا حيث يجد المال الكثير